رسالة الحقوق.. المال يؤخذ من (الحلال) وينفق في (الحلال)

نص حق المال وفق ما جاء في رسالة الحقوق للإمام السجاد (عليه السلام):

"وَأمّا حَقُّ المَالِ، فَأَنْ لا تَأْخُذَهُ إلاّ مِنْ حِلِّهِ، ولا تُنْفِقَهُ إلاّ فِي حِلِّهِ، وَلا تُحَرِّفْـهُ عَنْ مَــوَاضِعِهِ، ولا تَصْرِفَهُ عَنْ حَقَائِقِهِ، ولا تَجْعَلْهُ إذا كَانَ مِنَ اللَّهِ إلاّ إلَيهِ وَسَبَباً إلَى اللَّهِ, ولا تُــؤثِرَ بهِ عَلَى نفْسِــكَ مَنْ لَعَلَّهُ لا يَحْمَدُكَ، وَبالْحَرِيِّ أَنْ لا يُحْســِنَ خِلافَتَهُ فِي تَرِكَتِكَ، ولا يَعْمَلُ فِيهِ بطَاعَةِ ربكَ فَتَكُونَ مُعِينًا لَهُ عَلَى ذلِكَ أَو بمَا أَحْدَثَ فِي مَالِكَ أَحْسَنَ نَظَرًا لِنَفْسِهِ، فَيَعْمَلَ بطَاعَةِ رَبهِ فَيَذْهَبَ بالْغَنِيمَةِ وتَبُوءَ بالإثمِ وَالْحَسْرَةِ وَالنَّدَامَةِ مَعَ التَّبعَةِ, وَلا قُوَّةَ إلا باللهِ".

المال هو أحد أسباب الرفاهية بل أهمها, فهو وسيلة الانسان لعيش حياة كريمة من دون الحاجة لأحد, وقد وصفه الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم على إنه زينة الحياة الدنيا إلى جانب البنين مع الأخذ بنظر الاعتبار إن الباقيات الصالحات خير منهمها ثوابا؛ لذلك فإن الله يرزق من يشاء وعلى الانسان اختيار مصادر الرزق والسعي إليه واجتناب ما حُرَّم من المال كالرشوة والربا والسرقة وغيرها من المصادر التي تتقاطع مع شرعية الحصول عليه ليتحول بذلك إلى لعنة تقود صاحبها للهلاك.

يؤخذ وينفق في الحلال

يبين الإمام زين العابدين (عليه السلام) في مقدمة حق المال ضمن رسالة الحقوق, بأن المال لا ينبغي أخذه إلا إذا كان الانسان مطمئنا من حله, ففي هذا الزمن اختلطت كثيرا من المفاهيم وتبدلت كثيرا من النفوس وتعددت مصادر المال لدرجة قد يتهاون بعضهم عن التأكد من مشروعية الأموال, ولا يتتبع الجهات الممولة ولا يتعمق في تفاصيله التي ربما يدخل فيها شيء من الحرام كبعض الأرباح الخاصة بالمصارف الثابتة (الفوائد), أو يحصل عليه من حقوق عائدة لسواه كنوع من التمييز غير المبرر, وغيرها كثيرا من الصور والأشكال الخاصة بمورد المال المأخوذ منه, وفي الجانب الآخر يؤكد الإمام (عليه السلام) على حرمة انفاقه على أي أمور غير جائزة؛ أي يصرف على المحرمات كشراء الخمور أو دفع مال للتحريض على أذية الآخرين أو إعطاء رشوة لتسيير معاملة متعسرة أو حصول على وظيفة, فكل هذه النقود المصروفة على أي وجه من أوجه الحرام هي لعنة على صاحبها تجلب له الفقر فيما بعد أو تجلب له الغفلة عن صرف المزيد منها على المحرمات حتى يصل الانسان إلى نهاية حياته ثم يحاسب عن كل ما أخذه وما أنفقه في حياته على غير الحلال.

الإسراف والتقتير

ينتقل الإمام (عليه السلام) بعد ذلك لتوضيح مفاهيم أخرى تخص حق المال ومنها موضوعة الإسراف في صرف الأموال وشراء أشياء تفوق الحاجة بدافع التباهي والتفاخر, وعدم التفكير بأن من يوسع الله رزقه تقع عليه مسؤولية حفظ الرزق ومساعدة المحتاج, فكل شيء يمكن أن يصل إليه الانسان هو من عند الله ولا فضل على البشر إلا بالسعي, ولكن ثمة حقوق للفقراء على المترفين فليس من الانصاف أن يسرف الانسان على ملذاته بدرجة كبيرة وهو يرى من حوله يعانون الجوع وشظف العيش, وفي المقابل أيضا ينهى (عليه السلام) عن البخل والتقتير واكتناز المال وعدم صرفه حد الشحة على أهله, فهذا أيضا سببا يُحاسب عليه الانسان يوم القيامة فآلية صرف النقود يجب أن تكون متوازنة وفق مبدأ لا أفراط ولا تفريط, والأهم من ذلك أن لا يتعلق الانسان بحب المال لدرجة تجعله يتحول إلى فردٍ مؤذٍ وقت فقدانه أو يتناسى أن الله يختبر عباده بسعة الرزق وينظر إلى الشاكرين بعين الرضا.

حقوق

يسعى الانسان في حياته لجمع المال وهو سعي مشروع إذا توفرت فيه الضوابط الشرعية, ومن تلك الضوابط إن لله حق في هذه الأموال, وهذا الحق له صور عديدة ومنها الزكاة والخمس وزكاة الفطرة والذهاب لتأدية فريضة الحج المقترنة بالاستطاعة المادية والتصدق وكفالة اليتيم وتقديم المعونات في أوقات القحط وغيرها من الحقوق التي كلما تمعن الانسان في تأديتها على أكمل وجه ضمن أنواعا من زيادة الرزق كالمال ذاته والصحة والستر والأهم رضا الله الموجب لدخول الجنة بحرق الذنوب الأخرى, فحق الله هو الأهم والمهم وفي مقدمة كل الحقوق.

إيمان كاظم

المرفقات